عبد الوهاب الشعراني
559
اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )
( فالجواب ) : إنما حجب الثقلان دون غيرهما لأنهما من عالم التعبير بخلاف غيرهما فإن الناس لو أبصروا شيئا من أحوال الموتى لأخبروا بعضهم بعضا كما أشار إليه خبر : لولا تمزع في قلوبكم وتزيدكم في الحديث لدعوت اللّه تعالى أن يسمعكم عذاب القبر . وفي رواية أخرى : لولا أن تدافنوا لدعوت اللّه أن يسمعكم عذاب القبر . فعلم كما قال الشيخ في الباب الثامن والسبعين وثلاثمائة أن كل من رزقه اللّه تعالى الأمانة من الأولياء سمع عذاب القبر وسمع كلام الشياطين حين يوحون إلى أوليائهم ليجادلون وأن اللّه تعالى ما أخذ بأسماع الجن والإنس وأبصارهم إلا طلبا للستر فإن المكاشف لو أفشى ذلك لأبطل حكمة وضع الإلهي من وجوب الإيمان بالغيب فإنه كان يصير شهادة . ( فإن قلت ) : كيف استعاذ الأنبياء من فتنة الممات مع عصمتهم ؟ ( فالجواب ) : إنما استعاذوا من ذلك لعلمهم بسعة الإطلاق وأن اللّه تعالى يفعل ما يريد فقاموا بواجب عبوديتهم وإظهار عجزهم وفاقتهم وسألوه من باب الافتقار أن لا يفتنهم إذا سألهم الملكان عمن أرسل إليهم وهو جبريل عليه السلام فإنهم يسألون عنه تكريما كما نسأل نحن عمن أرسل إلينا امتحانا وإلا فالأنبياء معصومون لا يحزنهم الفزع الأكبر فضلا عن الأصغر فحضرتهم الاعتراف بانكسار بين يدي ربهم على الدوام . ( فإن قلت ) : فما حقيقة البرزخ الذي ينتقل إليه بعد الموت ؟ ( فالجواب ) : كما قاله الشيخ في الباب الثالث والستين من ( « الفتوحات » أن حقيقة البرزخ هو صور إسرافيل الذي ينفخ فيه وهو يسمى بالناقور ويسمّى بالقرن فلا شيء أوسع من هذا القرن وجميع ما يقع للميت في قبره من العذاب والنعيم يدركه صاحبه إدراكا حقيقيا بالحس لا في الحس كما أن جميع ما يدركه الإنسان بعد الموت في البرزخ من نعيم وعذاب إنما يدركه بعين الصورة التي هو فيها في القرن فإن اللّه تعالى إذا قبض الأرواح من الأجسام الطبيعية أودعها صورا جسدية في حضرة البرزخ الذي هو صور إسرافيل ، ثم إن من الصور ما يكون هناك مقيدا ومنها ما يكون مطلقا كأرواح الأنبياء كلهم وأرواح الشهداء وبعض الأولياء لأن كل من حبس نفسه أيام تكليفه في قمقم الشريعة وحجر عليها ما حجره الشرع جازاه اللّه تعالى